Uncategorized

معادلة الانتماء المستحيلة

DV5-0zEW4AAdU5G.jpg

“المنفى، يالها من تجربة فظيعة تلك التي تفرض على المرء” إدوارد سعيد

انتهت محاضرة علم النفس وانتهت معها طاقتي، لا قدرة لي على ترتيب الأوراق وكتابة التاريخ ولا رغبة لي في طرح سؤالي الذي أجَلته على الدكتوره، سأفعل ذلك في المنزل وسأسأل غوغل فيما بعد. وضعت أشيائي بعشوائية في الحقيبة ومشيت، كل ما أريده هو أن أنفرد بسندويشتي وألتهمها.
جلست وصديقاتي على الطاولة المستديرة، سندويشة الزعتر ممشوقة القوام في يدي بالخبز السوري تحكي أني لست من هذه البلاد، أبدت صديقتي استغرابها بلطف، أخبرتها أن هذه هو “typisch Syrisch” وأنها لو ذاقت لعرفت وغرفت.

صديقاتي لطيفات نسبيًا – عدا أوقات الامتحانات طبعًا – لكني أرغب كثيرًا بالابتعاد، لا أريد أن أتكلم مع أحد ولا أن أغتنم اللحظات في محادثات قصيرة، كل ما أريده هو أن أكون وحيدة، وأن يتركني الجميع قرب الموقدة وأن لا يتكلم أحد أبدًا. لا أعرف لماذا، أنا لا أنتمي إلى هنا، أنا أشعر بالوحشة وتفترسني أسئلتي.

لقد خلعت نعلي قبل أن أدخل أرض البلاد وفتحت قلبي لكل ما هو مختلف وجديد، باستغراب أحيانًا وبإعجاب أحيانًا أخرى. أحاول أن أندمج ياعالم، تعلمت اللغة ما استطعت، وقرأت كتبًا ومقالات في الاندماج وصدمة الحضارة وبناء العلاقات في الغربة، لكن ما هذا الصوت اللعين الذي يتمنى في أعماقي لو يغادر، ويذهب بعيدًاذلك الشعور الأليم المرير الذي يدفعني للهرب، والصوت الذي يزن في أذني : أنتِ لا تنتمين إلى هنا.
تبًا لك! أنت الذي لاتنتمي لي. لكنه لا يهدأ ولا ينفصل عني بل يتشبث بعمودي الفقري أكثر.

أحاول ان أجد لقدمي موطئًا في هذا البلد البارد، وأسعى جهدي أن يكون لدي أصدقاء، أن أتعلم اللغة بشكل جيد، أقرأ لكتاب ألمان أكثر مما أقرأ لعرب، تاريخ ألمانيا يهمني كما تاريخ سوريا، أفتح شباكي على الاختلاف، بل وأحبه كثيرًا. لكن في كل مرة أكون وسط الناس أشعر برغبة كبيرة في الهرب، أتمنى لو يصمت الجميع وأذهب إلى مصدر التدفئة ولا اسمع شيئًا وأغفو طويلًا

الموضوع بدأ يصبح خطيرًا، حاولت بشكل إرادي أن أعالج مشكلة “اللاانتماء” القاسية هذه وأفهمها. حاولت أن أتذكر الفترات التي مرت علي في ربع القرن الذي عشته، والتي شعرت فيها أنني أنتمي لكي أحاول إعادة اختراع المعطيات وبناء الشروط.

ذهلت عندما واجهت حقيقة أنني نادرًا ما كنت أشعر بالانتماء. لحظات قليلة من الانتماء في أربع وعشرين عامًا من الغربة. رغم أني لم أكن قد فارقت وطني! بل رغم أني حظيت بأصدقاء وأخوة رائعين، دومًا ما كان يحدوني شعور، أنه سيأتي أحد ما وسيفهمني. أو سأجد المكان حيث أنتمي، أو أن هذا كله مؤقت وسيتغير!

لم أنتم لأسرتي القريبة ولا لعائلتي الكبيرة لا لمدينتي ولا لمدرستي ولا لجامعتي، لحظات الانتماء الحقيقة العميقة التي شعرت بها كانت في الثورة، ولكنها لم تدم طويلًا.
أريد أن أندمج يا أخي أريد أن أنتمي.
أريد ولو لمرة واحدة أن أجيب الصوت الذي في داخلي، هل هذه أنت؟ هل تنتمين إلى هنا؟ بـ : إي نعم!.

مؤخرًا اكتشفت أن هذا الشعور لا يخصني وحدي وإنما هو حالة يمكن لمسها لدى نسبة غير قليلة من البشر، وأن أصوله عميقة في داخلنا. تعرّيه لنا الغربة بأشد صوره وأكثرها دقة، إلا أنه منفصل عنها وعميق جدًا وموجود في داخلنا، ربما منذ بدء الخليقة.
الأوطان والبيوت و”ياء الملكية” التي نلحقها بدوائرنا الشخصية مثل (عملي، أهلي، بيتي، أصدقائي، جامعتي) ماهي إلا ياء للتعزية على كوننا زوار على هذا الكوكب وأننا لا نمتلكه. يوميًا أشعر أن مياهنا على هذا الكوكب وشيكة الجفاف وأنه سيلفظنا ويستبدلنا.

قرأت منذ عدة أيام عبارة للشاعر والروائي الفرنسي “فيكتور هيجو” وأعتقد أني سأتذكرها وأحتاجها كثيرًا في الفترة القادمة

“إنه لمصدر عظيم إذًا من مصادر الفضيلة لدى العقل المتمرس، أن يتعلم في البداية، شيئًا فشيئًا، تغيير نظرته إلى الأشياء الظاهرية والعابرة، كيما يتمكن بعدئذ من تركها وراءه إلى الأبد. فمن بجد وطنه عزيزًا وأثيرًا لا يزال غرًا طريًا، أما الذي يجد موطنه في كل أرض فقد بلغ القوة، غير أن المرء لا يبلغ الكمال قبل أن يعتبر العالم أجمع أرضًا غريبة. فالنفس الغضة تركز حبها على بقعة واحدة من العالم، والرجل القوي يشمل بحبه كل الأماكن، أما الرجل الكامل فهو الذي يطفئ جذوة الحب لديه”

Uncategorized

سوريا .. حيث المدراس سجون تعذيب

أتذكر تاريخ أول صفعة على وجهي، كنّا في باحة المدرسة، تمكنت من إيجاد طريقة للتسلق على حاملة العلم. أصعد إلى الدرج ثم أمسك بالعارضة بيدي اليمنى، أعلق جسدي في الهواء قليلًا ثم أدعه ينزلق على العارضة، فجأة وجدت آنسة العلوم أمامي بوجه متجهّم ونيّة مبيّتة : ياقاتل يامقتول. تمسكني من قبة صدريّتي الزرقاء تجرّني خلفها وتصعد بي الدرج، تضيق فتحتا عينيها لتحدد الهدف وتوجه إلى وجهي مباشرة صفعتها اللئيمة.

هزّت التجربة جسدي الصغير، بكيت بل انتحبت طويلًا، زار والدي المدرسة ليستفهم ماذا فعلته ابنته لتصفع على وجهها، أليس الضرب ممنوعًا؟ أتت الآنسة دون إحساس بالذنب متذرعة بشعورها الوطني الذي جعلها تفقد أعصابها عند رؤية لامبالاتي بمعنى العلم، لم أفهم يومها كيف تكون قطعة قماش أغلى من وجه طفلة. طلبت الإدارة أن نزرع الحادثة بذقنهم، لكن ذاكرتي الغضة لن تنسى تلك الغصة، وستظل مرارة الذل والألم تعتصرني كل سبت وخميس، عندما نرفع أيدينا بمحاذاة جبيننا لنحييّ العلم المرفوع على العارضة ونغني : حماة الديار عليكم سلام. ارتبطت المدرسة لدي بالذل وبالظلم، رغم أني شخصيًا لم أشهد الكثير من المواقف كوني كنت محصنة بعلاماتي الجيدة وقرابتي لإحدى المدرسات، إلا أن أسلوب التدريس كان قمعيًا وفجأ وغبيًا إلى الدرجة التي تؤذي كل عين

يكسر إيديكي على هالكتابة
شو هاد الحرف؟
تضربي بهالكسم
والله لورجيكن اللي ماشفتو

كانت المدرسات تتفننّ في أدوات الإذلال والتعذيب، بين ذنب الحمار الذي على الطالب الذي ينال الدرجة الأخيرة أن يرتديه طيلة اليوم الدراسي، والتهديد بالمبيت ببيت الفأر بعد طلي الآذان بالدبس، وبين الشتائم التي تتميز بإيقاعها الموزون ومعانيها الصورية الكفيلة بجعلها لاتنسى. المقاعد الأخيرة كانت محجورة للكسالي والمتأخرين دراسيًا بينما الأولى لأولئك ذوي العلامات الكاملة والعلاقات الجيدة مع المدرسين.
ذات خميس طلبت المدرسة من طالبة من الصفوف الخلفية أن تقرأ ما على السبورة، بدأت الطالبة بالتأتأة والارتجاف. انفعلت المعلمة وتوجهت إلى الطالبة لتكسر رأسها وتفهم سبب سماكة مخها. بعد أيام اكتشفنا أن الطالبة لديها ضعف شديد بالنظر وأهلها لايملكون نفقة عدسات تساعدها على الرؤية

حاولت أن أتذكر من مدرستي أساتذة أحترمهم أو آخرين تركوا في أثرًا ما، لابد أن تاريخي المدرسي لايخلو من أساتذة نبيلين ومواقف جميلة، ولكن أرشيف الذل والقهر هو كل ما يمر ببالي. لم يبق في ذاكرتي من غرفة المدرسين أيام مدرسة الابتدائي إلا صورة حفنة من المرضى النفسيين والآنسات المطلقات التعيسات أو الضجرات من الحياة.

أتذكر “الواسطات” التي كانت تمر أمام أعيننا، الدلال الذي كان يحظى به من له أقارب في المدرسة، الطاعة العمياء التي يطلبونها منا، التدريس بشكل أفضل عشرين مرة في حال حضور مديرة أو مراقب، الأكاذيب التي كنا نسمعها كل يوم عدة مرات. أي عالم ذلك الذي يفتحون أعيننا عليه؟
في المرحلة الثانوية المتزامنة مع فترة المراهقة والتمرد، كانت المدرسة بالنسبة لي معتقل كبير، كانت بالمرصاد لكل محاولاتي بالتحليق، لقد كانوا يريدون بتر أعضائي التي لا تتناسب مع قياس أسرتهم.

قاومت المدرسة، وتناقشت مع المعلمات، وحاولت جهدي أن نصل إلى مكان في المنتصف. لكن مسيرتي النضالية انتهت بانسحابي من المدرسة، المؤسسة التعليمية التدميرية التي أقسمت أن لا أدع أيًا من أطفالي يدخل إليها! هل من عاقل يبني ابنه ويكبر ثقته بنفسه ثم يزج به في مؤسسة تقص أجنحته وتكسر عظامه؟

دخلت إلى المدرسة الشرعية بدءًا من الصف السابع الإعدادي، حماسي الديني كان عاليًا جدّا وآمالي المستقبلية عريضة، الأخطاء الكبيرة التي كنت أراها كانت تستفزني، حاولت التحدث مع المديرة بالأمر، أثنت علي وأكدت أنها مستعدة للتعاون معي والتجاوب مع اقتراحاتي “لأن رأي الطلاب أيضًا مهم ولأنهم لايبتغون إلا الإصلاح!” بعد فترة اكتشفت أنها لاتريد مني سوى أن أصبح جاسوستها السرية لأخبرها عن ما يجري في الصف (بهدف الإصلاح) وحين رفضت طلبها ناصبتني العداء.
في إحدى الحصص الدراسية اكتشفت الآنسة أني أخفي كتابًا تحت المقعد وأقرؤه خلال حصتها المملة، أرسلتني إلى الإدارة لتتعامل مع الأمر، أخبرت المديرة بصراحة برأيي، وبأني أستطيع التركيز على الأمرين معًا، وأن ما أفعله لا يترك أثرًا سلبيًا على أحد وأخبرتها عن سير الحصة الممل وأنا لانتعلم شيئًا ذا قيمة.

كان عليّ حينها طبعًا أن أسمع حكايات الصحابة الذين يجلسون في حضرة النبي وكأن على رؤوسهم الطير وروايات السلف الأسطورية في السفر من أجل حديث وانتظار الساعات للاستيثاق والاستزادة، أخبرتها أننا نعيش في كونين منفصلين وأن زمان احتكار العلم ولى، وأن صفحة انترنت في أيامنا تحتوي أضعاف ما يعرفه الكادر التدريسي برمته. كان اقتراحي أن أسلوب التعليم عليه أن يتطور ليشعل حماسنا أو يتركنا لنشق طريقنا بأنفسنا. حاولت إدارة المدرسة بعدة وسائل أن تعيد تربيتي، وتنظف دماغي من الكتب المقرفة (بحسب تعريف المديرة) التي أقرؤها، مرة عن طريق استدعاء أولياء أمري والكذب بوجههم، وأخرى عن طريق عزلي عن أصدقائي، اتهامي بالتآمر وبالإفساد في الأرض، تشبيهي بإبليس الرجيم مع فارق أن إبليس تكبر في السماء أما أنا فكبري طال السماء، ترهيبي من عاقبتي المخزية بسبب انتقادي للآنسات المقدسات.

في النقاش الأخير بين سلسلة النقاشات المؤلمة لمن يراها بعين العاطفة والفكاهية بعين العقل أخبرتني المديرة أن أترك المدرسة إذا كنت أرى أن باستطاعي أن أتعلم خارجها أكثر ما أفعل ضمن جدرانها لكي أريح وأستريح، وكان هذا ما فعلت.
حزمت كتبي ووضعتها في كيس كبير سلمته للإدارة وقلت السلام لأكمل رحلتي في التعليم الذاتي بدون المدرسة.

تزامن تركي للمدرسة في أواخر عام ٢٠١٠ مع بدء الانتفاضات في مختلف البلاد العربية ، تونس مصر وليبيا، لتنتقل الثورة بعدها إلى سوريا، وللمصادفة غير الغريبة سمعت من صديقاتي أن الكادر التدريسي يؤيد النظام السوري قلبًا وقالبًا، وأن صور الرئيس الأسد علقت في كل مكان في المدرسة وأنه تم طرد طالبة بسبب إعلانها لموقفها المعارض للنظام
بعد مرور كل هذا الزمن وإعادة تدوير الظلم والظالمين أشتهي أن أقول لآنسة العلوم ”يكسر إيديكي“ على صفعتها اللئيمة، ثم أتذكر أنها ضحية لنظام جعلها جلادًا. ويبدو لي جليًا أكثر كيف كنا نعيش في معتقل كبير، مؤسساته التعليمية سجون، أساتذته جلادون، ومحاولة إصلاحهم لا تعني إلا الحرب أو الإقصاء.

Uncategorized

بيت المُونِة

في اليوم الثامن من حصار المدينة وقطع الاتصالات عنها وضمن محاولاتي المستمرة لطلب الأرقام التي أتوقع أن يرد من أحدها أحدهم فيطمئنني عن أهلي، رن الهاتف، أمي من الجهة الأخرى.. خفق قلبي : ماما طمنيني عنكن كيفكن؟ وينكن؟ مين معكن؟

ـ نحنا مناح متخبين بالأقبية وما حدى بيعرف عن غيرو شي 

 ـ ماما شو عم تاكلوا شو عم تشربو كيف عايشين

ـ عم ناكل كوسا بلبن

كوسا بلبن! انقطع الخط قبل أن أفهم كيف يمكن للمرء في عز دين الحصار أن يأكل كوسا بلبن!

بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتم ”تمشيط المدينة“ وفك الحصار، عدت إلى زيارة أهلي وسألت أمي عن حكاية الكوسا بلبن وكيف أمكنهم أن يؤمنوا احتياجاتهم في ظل القصف المستمر للمدينة براجمات الصواريخ والأسلحة الثقيلة، أخبرتني أمي أن “بيت المونة” والثلاجات المجهزة بالأطعمة المحفوظة والمفرزة حمت سكان مدينة من الموت جوعًا، وحكت لي كيف كانت تتم عملية مبادلة الأغذية بين سكان البناء الواحد وإيجاد بدائل وحلول لنقص المواد أو انقطاع الكهرباء. وأضافت بنبرة الأم الخبيرة بأحوال الدهر والتي رأت لنصائحها تطبيقًا عمليًا: هل أحسست بقيمة ما نفعله بصنع المربيات وتجفيف الكوسا وتيبيس الأعشاب في وقت الراحة إلى وقت الضيق؟

فكرت بكلام أمي وبتطبيقه على عوالمنا النفسية، نحن لانعلم متى تضيق بنا الحياة ومتى يعصف بنا الحصار وتضربنا الأسوار ونكون وحيدين، وحيدين جدًا، ويتركنا من نحبهم ويهتمون لأمرنا.

علينا أنا نبني لنا غرفة خلفية بإمدادات تبقينا على قيد الحياة حتى تمر هذه اللحظات.

منذ تلك المحادثة مع والدتي أصبحت أهتم ببيت المونة الداخلي خاصتي، عندما أرى مسلسلًا عظيمًا احتفظ به للأوقات العصيبة، موسيقا كلاسيكية أو روايات عالمية أو قصائد مخملية، أحاول أن لا أستهلك كل ما يعجبني بل أبقيه بورقته جديدًا كي أجده بالنتظاري في تلك الأوقات. أكتب رسائل لنفسي وأحتفظ بها غير مفتوحة للوقت المقدر أن يتركني فيه الجميع وأكون مذعورة وضعيفة، وحينها أفترش السجاد الأحمر لذاتي وأنزل إلى بيت مؤنتي لأضم نفسي بكل تلك الروائح والأصوات التي عتقتها، وأحمل عبء قلبي وحدي.

مهما كنا مخلوقات اجتماعية إلا أنه  محكوم علينا أن نعاني يومًا وحدنا ونكون مكسورين جدًا وأن نموت وحدنا، لا يمكننا أن نغير في سنة الكون أو نحمي نفسنا من الفقد والألم لكن يمكننا أن نجهز لأنفسنا ركنًا يمكننا أن نأوي إليه ونؤنس أنفسنا بأنفسنا. وهنا يمكن أن نحرف ماقاله درويش ليصبح : “فكن أنت حيث تكون وابن بيت المؤنة لك وحدك.”

Uncategorized

أنا الغبار

*ملاحظة : التدوينة لاتحتوي أي فكرة قيمة، مجرد محاولة للتعبير عن مشاعر داخلية قد يحتاج إليها محللو علم  النفس والمجتمع في المستقبل إذا أحبوا أن يقفوا على أطلال أنقاضنا الداخلية وأن يحللوها. 

“أيها الإنسان اعرف نفسك” يا ترى أي ذات لعينة كان يقصد الفيلسوف الحكيم؟

هل تلك النفس التي أحرقتها مع دفاتري وصور طفولتي حين داهمني شعور أنني اعتقالي وشيك جدًا؟ أم النفس التي طويتها مع ملابسي قبل أن أغادر الوطن؟ هل يقصد ربما الذات التي أحاول أن أخفيها عند التقائي بالغرباء وأغطيها بادعائي المدعم بما استطعت إليه سبيلًا من الأدلة أني طبيعية؟ هل هي أحلامي الماضية أم كوابيسي اليومية؟ 

الأوراق البيضاء تبثّ في الرعب أكثر مما تفعل مرآة أمام جلد متقيح ومهترئ، لا جرأة لدي أن أبحث في ما آلت إليه الأمور داخلي، ولا أعرف هل هي ثورة أم حرب أهلية تلك التي تحدث في أعماقي، بين كل ما لديه وعي خاص به : القلب، العقل، الجسد، الروح.

أخشى من الحروب، وأعرف أن كل انتصار لجزء مني هو هزيمة لبعضي الآخر، صرت أخشى حتى من هزيمة شياطيني، أستطيع أن أرى بذرة الخير في الشياطين الكامنة في داخلي، أريد أن أضم كل شي، أن أعانق نفسي.

أحلم بالهارموني، واتلقى الركلات واللكمات في كل مكان من جسدي. وأتألم.

لم أعد أؤمن أن ثمة ما يسمى “نفس الإنسان” وأن بإمكانه “معرفتها”. الفلسفة وبعدها العلوم الطبيعية والاجتماعية انتزعت مني كل أوهامي الجميلة التي كانت تدثرني، وتستر عوراتي.

أريد أن أكتب، وأشعر أن أصابعي متقيحة، وأخشى أن يرى من يقرأ خطي خطاياي المحشورة فيه، أخاف أن أتعرى لكي أعالجني، وأنا أعرف أن جسدي مليئ باللكمات والضربات وأعقاب السجائر المطفأة،

أنا الهلام، واللاجدوى ..

أنا الانكسار ..

أنا التعب، والهزيمة ..

أنا اللامعنى ..

أنا التي فقدت القدرة على الحراك، فتسمرت خلف الشاشة تبحث عن “موقف” : ماذا يجب أن يكون موقفي الأخلاقي حيال ذلك؟ وهذا؟ وذاك؟، ماذا يمكنني أن أفعل؟ كيف لا نكون أنذالًا؟ الكلام مريح والغضب أيضًا مريح. حلمت البارحة أني أضم جميع السوريين إلي وأمسح رؤوسهم من الدم والقهر وغبار الأنقاض، رأيت وجوه الأطفال الخائفة وشعرت بقلبي المذعور، حلمت أنها نهاية كل شيء وأن الجميع يلوذون إلى جبيني. ثم اختفيت واختفينا جميعًا.

أنا الكل، أنا اللاشيء، أنا الغبار،

أنا التي عجزت أن تحقق إنسانيتها.

أخاف أن أكتب لئلا يلاحظ أحد انكساري، وخجل روحي، والحطام الداخلي

ها أنذا

محطمة، بدون ستارة.

هيكل مهشم، مع لحم مسموم

لا جلد لأستر لحم وجهي.

أشعر أني حبلى بمئات الذوات، واحدة منها سوف تنجو، لتنشطر بعد ذلك إلى مئات من الذوات.

لا يمكننا أن نكون مستقرين نفسيًا في عالم يضج بالجنون
ولا أن نبحث عن موطئ لقدم نظيفة في عالم قذر

ضحكة ساخرة من الأرض، ومن داخلي

أتوق لتلك اللحظة التي أرفع فيها الرايات، ولتكن رايات الهزيمة.. لينتهي هذا العالم اللعين، لنبدأ واحدًا جديدًا.

Uncategorized

مما علمتني البسكليت

 

لطالما مثلت لي الدراجة الهوائية (البسكليت) رمزًا ثوريًا، أتذكر عندما سرقت دراجة ابن خالتي وأنا في الثامنة وهربت بها لأتعلم التوازن على دراجة بعجلتين، لم يكن يعجبني أن الدراجة حكر على الشباب ولم يف أحد بوعده أن يعلمني كيف أتوازن، حاولت أن أقلع شوكي بيدي، أخذت الدراجة خلسة وصعدت إليها بعد أن استخدمت درجة صغيرة لكي أتمكن من الوصول، سارت بي الدراجة من أعلى الطريق الذي ينتهي إلى الشارع الرئيسي، شعرت بالأدرينالين يشتعل في دمي، كانت أسرع مما توقعت ولم أستطع أن أجعلها أتوقف، في النهاية قررت أن أجعلها  ترتطم بجدار ما قبل أن تصل إلى الشارع حيث السيارات والعربات، انحرفت يمينًا ووضعت يدي على السور لأستند عليه فاكتشفت أنه سور شائك، بضع أمتار كانت تنتقل يدي الصغيرة من سلك شائك لآخر حتى سبحت بدمها.

لم أحاول أن أخبر أحدًا، أعدت الدراجة خلسة ومسحت دمي وحدي، أعرف أن مايحب الناس في هذه المواقف أن يفعلوه هو الشفقة أو الشماتة، ولم أكن أرغب بأي منهما، لن أقبل بتحويل مغامرتي الصغيرة إلى درس وعظ.

كبرت ولم تتسنى لي فرص حقيقية لركوب الدراجة إلا أيام الجمعة عندما يذهب جميع الرجال إلى صلاة الجمعة وتخلو الحارات، كان أخي يخبرني أنه يتمنى أحيانًا لو لم تكن لديه دراجة، حينها لن يضطر ليشتري الحليب من آخر الدنيا في عز البرد، إختي إنت مرتاحة!

عندما وصلت إلى ألمانيا كنت متحمسة لعيش التجربة الحقيقية، وتجسيد الرمز الثوري على أرض الواقع، أنا أعرف كيف تقاد هذه الآلة، لكن على أرض الواقع كانت الدراجة أكبر من مقاسي. أحتاج لأن أجعلها تميل بحيث أتمكن من ركوبها، لكن لم تكن هذه هي المشكلة.

تعلمت أولًا قوانين السير وتعليمات السلامة والأماكن المخصصة لسير البسكليت وإشارات المرور، وكان علي ثانيًا أن أتعلم كيف أجعلها تقف.
أن أمشي قدمًا، أنعطف يمينًا أو يسارًا، أزيد السرعة أو أتمهل كل ذلك كان ممكنًا، لكن ما احتجت إلى وقت لتعلمه هو كيف أقف.

رشاد يوجهني من الخلف وأنا أقول “إي أوكي” لكن عندما يقول لي :توقفي، أشعر أن علي أن أقفز من ع الدراجة وأتركها لحتفها، لم يكن من السهل إيقافها خصوصًا أنها أطول من قامتي.
رشاد أرجوك أخبرني بمدة قبل أن يكون علي أن أتوقف. لكن لا رشاد ولا غيره يمكن أن يعرف ماهو الوقت الصحيح للتوقف قبل أن يحين.

من الأمور الطريفة أن معظم الأفكار الجيدة وحتى التصالح مع الذات والعالم تأتيني وأنا على ظهر الدراجة، خصوصًا في الأماكن التي أعرفها تمامًا، عقلي اللاواعي ينشغل بالقيادة وتبدأ الأفكار بالتوافد على ذهني. والمشكلة أنه من الصعب تقييد الأفكار والخواطر في هذه اللحظات. أعتقد أني لست الوحيدة التي تعتقد أن الأفكار والحلول والخواطر تلعب مع عقولنا لعبة الفأر والقط.

مع مرور الزمن صارت تمثل لي الدراجة أكثر من رمز ثوري، انتقلت العلاقة من الطور الرومانسي القائم على الرغبة في الاستحواذ والتجربة إلى حياة يومية معيشة، أحيانًا يكون علي أن أقودها تحت المطر والثلج، والأسوأ من ذلك : أمام الرياح العاتية. وحينها أفكر في مدى جدوى السعي البشري في تحويل الشغف إلى مهنة.
ماعلينا.

تعلمت من الدراجة أنه لكي تتوازن لا بد أن تستمر في السير، ثم لاحظت أنه مع أهمية الاستمرار في السير لا بد من القدرة على التوقف في الوقت والمكان الصحيحين.

مهما كان ما نفعله، علينا أن نتعلم أن نبقي يدنا جاهزة على المكابح، سواء في المهنة أو العلاقات أوالأفكار التي نعتنقها، وإذا ما أردنا أن نزيد السرعة فعلينا التأكد من أن المكابح التي لدينا قوية بما فيه الكفاية.
كل شيء في الحياة وحتى الحياة بحد ذاتها سينتهي، لذلك علينا أن نتعلم كيف نتوقف وكيف نضبط أنفسنا، وإلا فإن الحوادث التي قد تصادفنا قد تكون كارثية.
إذا  أردت أن تقود فعليك أن تشغل قدمك بالحركة وتبقي يدًا على المكابح، وإذا كانت المكابح معطلة، ببساطة لاتسرع.

يقال : تقاس قوة جواد بقدرته على التوقف بسرعة وحزم. أعتقد أن القائل هو ألبير كامو ولكن لم أجد أي مصدر يؤكد لي ذلك.

مصدر الصورة

Uncategorized

make mistakes

من نافذة الطائرة تختلف المقاييس، تصغر كتلة الوطن يتسع أمامك حضن والديك وتنحشر في مخيلتك آلاف الصور.  تتصالح بعض قوى العقل وتتزن وتختل أخرى، يغلو ماكان رخيصًا ويهون ما كان عزيزًا وتتغير أحجام الأشياء وكتلها.

أحيانًا تكون لدينا رفاهية الاختيار بين هاويتين، وفي اللحظات التي ارتفعت فيها الطائرة  اخترت هاوية الحنين إذ أنها ألطف من هاوية الأسئلة.

يختار شيطان الحنين من أدق التفاصيل موطئًا لقدميه، سمعت صوت مكنسة الكهرباء اللعينة التي تباغت مملكتي الصغيرة صباح مساء ورأيت أمي تكنس بلا هوادة مغتنمة وجود الكهرباء. تمنيت أن أحتضن أمي والمكنسة.
رن في أذني صوت أخي المراهق وهو يغني أم كلثوم : بعيد عنك حياتي عذاب، وأنا أتعذب، فيقلب الموجة على علي الديك فأتحول لدجاجة تستغيث أن يتوقف.

تذكرت رسائل أختي الصغيرة في منتصف الليل في عز دين الحرب : هبة هبة هبة ردي بسرعة ضروري، وأنا يقع قلبي، ياترى عن أي مصيبة من مصائبي درى بها اهلي؟ أو أي خطب حل بهم؟ ثم تسألني عن إسم متجر ما أو تاريخ يوم ما. اشتقت لصديقاتي في البلاد وأولئك اللواتي رحلن عنها بكل التفاصيل التي كانت تغضبني أو لا أفهمها، شعور أخي الأكبر بالوصاية علي وحمايتي صار أمنية بعيدة رغم أني كنت أثتثقلها وأحاول التمرد عليها. وتمنيت لو يطفئ أبي ضوء غرفتي ليلًا قبل أن أنتهي من القراءة ولو مرة واحدة أخيرة.

تذكرت حاجز ”القطيفة“ وأصوات العساكر ”عطونا الهواوي هنت وياه“ إي نعم تذكرت الحاجز الجهنمي وشعرت بشفقة كبيرة عليه وعلى من عليه، رغم أنه أحد دوافعي الرئيسية للرحيل، لكن كما يقول ميلان كونديرا في الكائن الذي لا تحتمل خفته : ” إن غيوم المغيب الأرجوانية تعكس على كل شيء ألق الحنين حتى على المقصلة“

بعد أن هدأت موجة الحنين لاحظت أن أول ماتذكرته من الأشخاص لم يكن الأعمال العظيمة التي قدموها لي أو المواقف البطولية التي شاهدتها منهم. ماتذكرته هو ذلك الجانب اللطيف البسيط من الأخطاء اليومية. فكرت كيف أننا نشتاق للناس ليس رغم اختلافاتنا وأخطائهم وإنما بسببها، الأخطاء جزء أصيل وجميل من تركيبتنا، وفي هذا السياق تحتوي معظم محاولاتنا لتغيير أنفسنا والآخرين والسعي الدائب إلى المثالية على شيء من عدم فهمنا لجمال التركيبة.

تلك الخطايا والنقائص الصغيرة تحدد شخصيتنا أكثر من فضائلنا وكمالاتنا، تراكم تلك العيوب الصغيرة هو ما يجعل منا (نحن) أكثر من أي شيء آخر.
يمكننا جميعًا أن نكون مثاليين وكاملين ومتشابهين، لكن خطايانا ونقائصنا الصغيرة هي ما نتفرد به وهي الجانب الذي نريه للأشخاص المقربين من 

بعد هذه التجربة صرت أقول لنفسي عندما أتضايق من تصرفات الأشخاص أو أحاول تغييرها : “هذا بالضبط ما  سأتذكره عندما ترتفع الطائرة” فأشعر بالانسجام من جديد وتتحول تغصنات جبيني وعقدة حاجبي إلى إبتسامة 
 

في فيلم  Bicentennial Man من أداء Robin Williams يذهب الكاتب Isaac Asimovإلى أبعد من كون الأخطاء تحدد شخصيتنا، إذ يرى أنها تحدد إنسانيتنا

تتكلم بطلة الفيلم غاضبة مع الروبوت الذي يتطور سعيًا ليشابه الإنسان  : 
– اللعنة آندرو، عليك أن ترتكب أخطاء، أحيانًا ينبغي أن لاتكون كاملًا ينبغي أن تفعل الأخطاء
– أخطاء! لماذا؟ أوه حسنًا لكي أتعلم منها.
– لا! لكي تفعلها! مجرد أن تفعلها، لتعرف ما الحقيقي وما ليس كذلك، البشر كائنات مريعة
– هذه ليست محادثة منطقية
– إنها محادثة إنسانية، إنها ليست أن تكون منطقيًا وإنما أن تتبع قلبك

هذا المقطع الصوتي العظيم مزيج من الحوار في الفيلم والموسيقى التصويرية فيه .
الحوار موجود على التوتيوب، أعيد سماعه كل فترة عندما أرتكب أخطاء أو أهم بذلك
اخترت عنوان التدوينة بالإنكليزية إعجابًا بالإيقاع 

 وأخيرًا أريد أن أختم بمقولة للفيزيائي العظيم ريتشارد فاينمان لكي تكتسب التدوينة بعضًا من الحس الفيزيائي 🙂 

image

Uncategorized

نص قديم لسنة جديدة

يشكل التناقض الصارخ والتباين الحاد آحد أهم سمات العصر الحديث، وكثيرًا ماأ تساءل: كيف يحافظ المرء على اتزانه في صراع الأضداد؟ وكيف يقرر على أي طرف يقف؟
تعلمت مؤخرًا من نيكوس كازانتاكيس في تقريره إلى غريكو أن أنظر إلى معركة الأضداد على أنها كفاح المتفارقين للالتقاء من جديد إلا أن وقت المصالحة التامة لم يأت بعد، وأن الوقت الذي يعترف فيه الخصم بمقابله وبمساهمته الحرة في الموكب العظيم الذي يسمى ”كوزموس” الكون المتناسق سيحين ذات يوم.

ماتعلمته من نيكوس لم تقتصر فائدته على إمدادي بالسكينة في المعارك الحامية على الصعيد الخارجي وإنما في معاركي الداخلية ووجودي الجديد في ثقافة غريبة غربية.
في حين أحاول أن أندمج في ثقافة الغرب وأتعلم ما أستطيع  يزداد توقي لروح الشرق وثقافته وسكينته، ورغم أنه ليس من السهولة أن يعيش المرء بعقل غربي وروح شرقية إلا أنه من الجيد تذكير أنفسنا كل فترة أن هاتين الثقافتين ليستا ندين وإنما متكاملتين. 
تتجدد الأسئلة الأزلية حول :من أنا؟ وماذا أريد أن أكون؟ مالذي أتوقعه من العالم وما الذي يتوقعه مني؟ في كل اتخاذ قرار لمسار جديد نضع فيه خطواتنا، وأحيانًا يكون من الجيد أن نستمع لحكمة الشرق في عالم الغرب التقني وأن نستنير بمعايير من ثقافة ما لوضع خططنا وخطانا في أرض غيرها.
 قبل أيام وجدت في جهازي المحمول نصًا لخصته عام ٢٠١٤ من كتاب “أرض جديدة” للمعلم إيكارت تول يتحدث عن شروط الفعل اليقظ ووجدته مناسبًا جدًا كافتتاح لعام ٢٠١٨ وأحببت أن أشاركه. 

image

يعرف إيكارت الفعل اليقظ بكونه : التناغم والاتساق بين الهدف الخارجي -مانفعله- والهدف الداخلي ـ اليقظة والبقاء فيهاـ وعبر الفعل اليقظ نتحد مع الهدف الخارجي للكون، يتدفق الوعي عبرنا إلى هذا العالم، يتدفق إلى أفكارنا ويلهمها، وإلى ما نفعله ويقوده ويمنحه القوة.
“ليس ما تفعله هو ما يحدد ما إذا كنت تحقق قدرك، بل كيف تفعله”

الشروط الثلاثة للفعل اليقظ :

للوعي سبل ثلاثة يمكن أن يتدفق عبرها إلى ما نفعله وعبرنا إلى العالم، شروط يمكنها أن تناغم حياتنا مع قوة الكون الإبداعية، إن الشرط هنا يعني الطاقة التي تتدفق إلى ما نفعله وتربط الأفعال بالوعي الكوني وهذه الشروط قد تتغير  خلال مسار اليوم، فقد يكون أحدها مهيمنًا خلال مرحلة معينة من الحياة وآخر في وقت آخر.
هذه الشروط هي : التسليم والمتعة والحماسة  وعلى المرء أن يكون حريصًا على أن تكون إحدى هذه الشروط متجلية في أي فعل يقوم به، وإلا فأنه سيسبب المعاناة لنفسه وللآخرين

التسليم :

إذا ما كنت غير قادر على الاستمتاع بالفعل، يمكنك أن تسلم على الأقل أن هذا ما عليك فعله، فالقبول يعني : في الوقت الراهن هذا هو ما يتطلبه مني الوضع، وبالتالي فإنني أفعله بملء إرادتي، فعلى سبيل المثال لن تتمكن من الاستمتاع بتغيير إحدى عجلات سيارتك ليلًا وسط مكان ناء وتحت سيل من المطر،  لكن يمكنك تقبل الأمر، فأداء عمل ما في هذه الحال يعني أنك في حالة سلام بينما تفعله، وهذا السلام هو ذبذبة طاقة تتدفق إلى ما تقوم به، ورغم أن القبول يظهر كحالة سلبية، إلا أنه فعال وخلاق في الواقع لأنه يجلب شيئًا جديدًا كليًا إلى هذا العالم، ذلك السلام، تلك الذبذبة الخفية، هما الوعي، وأحد سبل دخوله إلى هذا العالم.

image

الاستمتاع
يتحول التسليم المصاحب للفعل إلى إحساس بالحيوية عندما تستمتع فعلًا بما تفعله، فحين تجعل من اللحظة الراهنة محور حياتك، فإن مقدرتك على الاستمتاع بما تفعله تتزايد
إن الفرح هو الناحية الديناميكية من الكينونة، وحين تصبح القوة الإبداعية للكون واعية بذاتها، تعبر عن نفسها على هيئة فرح، لست مضطرًا إلى انتظار حدوث شيء “ذو معنى” في حياتك لكي تستمتع بالكامل بما تفعله، هناك في الفرح معنى أكبر مما تحتاج إليه يومًا، أما “ انتظار البدء بالحياة” فهو أحد أكثر الأوهام شيوعًا في الحالة اللاواعية.
حين تقول : أنا أستمتع بفعل هذا الأمر أو ذاك، فهذا في الواقع تصور خاطئ، فهو يجعل الأمر يبدو وكأن الفرح ياتي مما تفعله، لكن هذا غير صحيح، الفرح لا يأتي مما تفعله، بل يتدفق من أعماق ذاتك إلى ما تفعله، وبالتالي إلى العالم

ما العلاقة إذن بين الشيء الذي تفعله وحالة الفرح؟ سوف تستمتع بأي نشاط تقوم به وأنت حاضر بالكامل، إي نشاط لا يكون مجرد وسيلة لغاية ما، ليس الفعل الذي تؤديه هو ما تستمتع به حقًا، لكن الإحساس العميق بالحيوية التي تتدفق منه، هذه الحيوية تتّحد مع ماهيتك.

إليك هذا التمرين الروحي الذي سيجلب التمكين والتمدد الإبداعي إلى حياتك، أعد لائحة بعدد من الأنشطة اليومية الاعتيادية التي تقوم بها، وضمنها الأنشطة التي تعتبرها مضجرة وغير مسلية ومستفزة ومجهدة، لكن لا تضمنها شيئًا تكره فعله، فالمطلوب هو إما للتسليم بما تفعله وإما للتوقف عنه، قد تتضمن اللائحة الذهاب إلى العمل والعودة منه، شراء البقول، غسيل الملابس، أو أي شيء تجده مجهدًا في عملك اليومي، ثم، متى انغمست في هذه الأنشطة دعها تكون أدوات للتنبه، كن حاضرًا كليًا فيما تفعله واستشعر التنبه، وبالسكون الحي في داخلك، في خلفية كل نشاط، سرعان ما ستكتشف أن ما تفعله في مثل هذه الحالة من التيقظ العالي، بدلًا من أن يكون مجهدًا، أو مضجرًا، أو مملًا، يصبح ممتعًا، أو بشكل أدق، ما تجده ممتعًا ليس الفعل الخارجي بل البعد الداخلي من الوعي الذي يتدفق إلى الفعل، هذا هو إيجاد فرح الكينونة في ما تفعله، إذا شعرت أن حياتك تفتقر إلى الأهمية أو مجهدة أو مضجرة، فهذا لأنك لم تأت بعد بهذا البعد إلى حياتك، أن تكون واعيًا في ما تفعله لم يصبح بعد هدفك الأساسي.

بعض أولئك الذين يثرون حياة الكثيرين، يفعلون ببساطة ما يستمتعون بفعله من دون الرغبة في الإنجاز أو أن يجعلهم هذا النشاط أي شيء محدد، قد يكونون موسيقيين أو رسامين أو علماء أو معلمين أو بنائين. في بعض الأحيان يبقى مجال تأثيرهم ضيقًا لسنوات، ثم يحدث فجأة أو بالتدرج أن يتدفق تيار من التمكين الإبداعي إلى ما يفعلونه، ويتمدد نشاطهم أبعد مما كانوا يتخيلون يومًا ويلامس حياة أعداد لا تحصى من الناس، بالإضافة إلى الاستمتاع تضاف كثافة إلى ما يفعلونه وتأتي مصحوبة بحس خلاق يتجاوز كل ما يستطيع الإنسان العادي تحقيقه.

 الحماسة
تعني الحماسة أن ثمة استمتاع عميق بما تقوم به إضافة إلى عامل الهدف أو الرؤية اللذين تعمل لتحقيقهما، حين تضيف هدفًا إلى الاستمتاع بما تفعله، فإن حقل الطاقة أو الذبذبة يتغير، ويضاف إلى الاستمتاع قدر معين مما يمكننا تسميته بالتوتر البناء، فيتحول الاستمتاع إلى حماسة، في ذروة النشاط الإبداعي المشحون بالحماسة، ستكون هناك كثافة وطاقة وراء ما تفعله، ستشعر أنك سهم ينطلق نحو الهدف، مستمتعًأ بالرحلة.

قد تبدو مجهدًا بالنسبة للآخرين لكن كثافة الحماسة لا علاقة لها بالإجهاد، حين تريد بلوغ الهدف أكثر مما تريد القيام بما تقوم به، تصاب بالإجهاد، ويضيع التوازن بين الاستمتاع والتوتر البناّء، ويربح التوتر

وأخيرًا:
على عكس الإجهاد، تمتلك الحماسة حقل ذبذبة عال وبالتالي تتجاوب مع قوة الكون الإبداعية، وكلمة حماسة Enthusiam مشتقة من اليونانية entheos  وتعني الرب، والكلمة المتصلة بها Enthusiazein  تعني أن تكون مسكونًا بالرب، فمع الحماسة تكتشف أنك لست مضطرًا لفعل كل شيء بمفردك، بل في الواقع ليس من أهمية بأنك تستطيع فعل كل شيء بمفردك، فالحماسة المستدامة تولد موجة من الطاقة الخلاقة، وكل ما عليك فعله هو “ركوب الموجة”

Uncategorized

صفحات الصباح الثلاث

الغربة هي الشرخ المفروض بين الكائن البشري ومكانه الأصلي، ومهما كانت صلة الكائن بأرضه واهنة ومشوّهة وبالأرض الجديدة متينة، إلا أنه يبدو أن ما هو كائن وسيكون لن يعوض يومًا ما كان، وأنه لا يمكن التغلب عن ما تولده الهجرة من شجن وألم مهما بذل لذلك من جهود.

كل ما يحكى عن الاندماج والنجاح في المنفى ماهي إلا جهود يقصد منها التغلب على أسى الغربة، أو على الأقل هذا ما يمكنني أن أحكيه من تجربتي الشخصية بعد عام من الغربة.

منذ فترة لا بأس بها تخليت عن كوني تلك الفتاة الرومانتيكية وأخذ المنطق يتحكم بتفكيري أكثر من غيره، وهنا لا أتحدث بشكل عاطفي وإنما عقلاني وبعيد عن الدراما، هذا الشرخ المفروض الذي أتحدث عنه لمسته في كل من أعرفهم ولا أعرفهم من المغتربين في ألمانيا وغيرها مهما اختلف حاضرهم وماضيهم وتعددت ظروفهم.

لكن لعنة الغربة لا تنفي مآثرها التي لا يمكن تحصيلها إلا من خلالها، فهي تجعل المرء يأخذ مسافة مناسبة من مجتمعه بحيث تمكنه أن ينظر بعين أكثر موضوعية وأن يعرف نقاط قوة مجتمعه وضعفه وبالتالي أن يعرف نقاط ضعفه وقوته ذاته، إذ أن الإنسان هو وليد الظروف الاجتماعية و حاضره وأشكال قلقه وأنماط تفكيره هي نتاج العمليات الاجتماعية مهما ادعى من حرية أو انفصال عن ظروفه. فتجربة النفي هنا والانتشال من المحيط تضع الإنسان وجهًا لوجه أمام وضع جديد يجبره أن يختبر نسخة جديدة من ذاته.

في المواقف العديدة التي أتعرض لها يوميًا أسأل نفسي عن سبب تصرفي بطريقة معينة: هل لأني سورية؟ هل هي تربيتي المنزلية؟ المجتمعية؟ هل لكوني فتاة؟ هل لكوني هبة؟ وباتساع المنظور تتغير الأجوبة ويبدأ إحساسي بالنضج.
رغم أني أعرف أن البحث عن الذات في كثير من الأحيان يشبه الجريان خلف جزرة معلقة أمام أنف الحمار، إلا أنه مع غيره من أنواع الجزر يندرج تحت المحن التي قدر لبني الإنسان أن يختبروها.

من أهم ما كشفته لي الغربة في رحلتها لتحطيم شيء مني، هو رغبتي في المثالية، الشعور العارم ذو الأثر السلبي بالحاجة لإنجاز الأشياء على أتم وجه، والتي لا تفعل أكثر من أن تمنعني من الفعل، أو تلومني وتقرعني بعد انتهائي منه.

أريد أن أمسك بيد نفسي وأحاول أن أخفف من هذا الميل السلبي لدي من خلال القيام بأشياء ناقصة، غير كاملة  ومليئة بالعيوب. وأولها هو أن أحاول أن أدون باستمرار عن ما يدور في رأسي دون أن أفكر بعناوين مناسبة أ, أمزّق ذاتي بأسئلة الجدوى أو أن أؤرشف ما كتبت في مصنف الكتابات غير المكتملة، والتي يبدو أنها لن تكتمل إلى الأبد.

في الفترة الماضية (والتي استمرت قرابة عام) وبتوصية من رشاد قرأت كتاب : الطريق إلى الفنان في داخلك. من تأليف: جوليا كاميرون

الكتاب هو أشبه بطريق عملي روحي للوصول إلى ماتسميه الكاتبة ”نهر الطاقة الإبداعية الكامنة في كل منّا“. مصمم بحيث يستوعب ٣ شهور، أي ما يعادل ١٢ أسبوع. حيث على القارئ أن يقوم في كل أسبوع بواجب معين إضافة إلى الواجب اليومي بكتابة ثلاث صفحات صباحًا.

استغرقت رحلة القراءة معي ثلاثة أضعاف الوقت المقرر بسبب كونه بلغة جديدة إضافة لانشغالاتي الأخرى، لكنني سعيدة أنني أكملته، حيث أني كنت أعيد قراءته من البداية كل ماتركته. الكتاب غير موجود بالعربية للأسف، لذلك قرأته باللغة الألمانية، والممتع في التجربة كان شعوري بتحسن مستوايي اللغوي خلال قراءة الكتاب، وبارتقاء مشاعري الداخلية.

الكتاب أشبه ما يكون رحلة روحية للدخول إلى أعماق الذات وأنفاقها المظلمة وسردايبها المتكدسة بما نعلم ولا نعلم، ثم للتحرر منها، لكنه يتطلب صبرًا والتزامًا كبيرًا. الأساس الذي تعتمد عليه الكتابة هو كتابة ثلاث صفحات في الصباح بحيث يكتب المرء كل ما يجول بذهنه مهما كان، ولو كان يفكر بأمر ما وطرأ على باله أمر آخر يمكنه أن ينتقل بكل سلاسة إلى الأمر الآخر وهكذا حتى يسمح للاوعي للتدفق إلى الوعي دون حواجز. ومن المهم جدًا أن يعرف المرء على وجه اليقين أن هذه الأوراق لن يراها غيره ولا حتى هو ذاته. وهنا تنصح الكاتبة بوضع الصفحات المكتوبة بظروف مختومة وإبعادها عن العيون ممايمنحه مساحة التعبير بحرية بعيدًا عن أي رقابة، حتى رقابة ذاته.

لم يخطر ببالك شيء؟ حسنًا اكتب عن اليوم اللعين الذي عليك قضاؤه، عن المتاعب التي عليك مواجهتها، عن لاجدوى الكتابة التي عليك فعلها، عن أي شيء، المهم أن تترك شيئًا من داخلك يتدفق وأن تعقد صداقة مع الورق والحبر.
كانت بدايتي مع الكتاب لطيفة ثم تلتها مرحلة من تفجر الغضب المكبوت في داخلي والذي بدأ يفيض على الورق بعد الأسبوع الثالث، ثم بدأت مرحلة من السلام والذي كان يزيد عمقًا مع الاستمرار في الكتابة، ثم انقطعت عن الكتابة والقراءة شهرين تقريبًا و عدت من جديد لأعاود كرة المشاعر ذاتها، مشاعر لطيفة، حزينة ومكتئبة، ثم امتنان عميق.

الكتاب مطروح بأسلوب عملي ولكن غير علمي، مما جعل نظرتي نقدية في كثير من الأحيان، رغم أنني أؤمن بحواسي وبروحي بالمعاني التي تتحدث عنها، إلا أن صوت عقلي المشاغب كان يعكر عليي باستمرار صفائي ولذاتي الحسية والمعنوية. فحين تتكلم الكاتبة عن الوفرة المالية والتحرر من الخوف وأهمية الإرادة في تحقيق المستحيل، أجد أن عقلي يبدأ بطرح الأسئلة وسوق الأمثلة المناقضة. هل سيعود عقلي لينطوي تحت جناح روحي يومًا ما أو على الأقل يمسك بيدها دون أن يؤلمها أو يذكرها بخيباتها؟

رغم تصديقي للكاتبة واحترامي لها، إلا أن أي اقترابها من أي طرح يشبه ما تقدمه علوم البرمجة العصبية اللغوية كان يولد لدي مشاعرًا من الاستفزاز والتجنب وعدم التصديق. مما أثر سلبًا على راحتي مع الكتاب.

هل عثرت على الفنان بداخلي؟

لا! لكني لم أكن أبحث تمامًا عن الفنان بداخلي، فسقف أحلامي كسوريّة كان أقل من الوصول إلى نبع الإبداع، كل ما أردته هو البحث عن الإنسان السليم المعافى في أعماقي، وأعتقد أني استطعت أن ألمسه.

أنا إنسانة أميل بشدة إلى وجود أشخاص في حياتي أستطيع أن آخذ من حكمتهم وأناقش معهم خياراتي الوجودية والمصيرية وأسئلتي الملحة، لكن مع الوقت بدأت ثقتي بالأشخاص تقل أو علاقاتي معهم تنقطع. هناك وقت لابد أن يمر على الجميع يكونون فيه وحيدين بشدة، لذلك علينا أن نستمع إلى نصيحة محمود درويش وأن نكون حيث نكون نحمل عبء قلبنا وحدنا، وأن ننضج. وهنا يمكن أن يكون هذا الكتاب مساعدة حقيقية.

كثيرًا ما كنت أتخيل أنني أصعد إلى جبل عال جدًا، لينتظرني هناك حكيم الجبل المسن وأطرح عليه أسئلتي ومخاوفي وشجوني، ثم يوصلني إلى الحكمة. كنت أغمض عيناي وأتخيل مشقة صعود الجبل وأحس بوقع خطواتي وهكذا حتى أصل إلى القمة، مع كتاب الطريق إلى الفنان صرت أصل إلى حالة السلام والتخفف بوقت أقصر وبثقة أكبر.

العظيم في فكرة كتابة ثلاث صفحات يوميًا في الصباح، هو أن مشاكل اليوم لم تبدأ بعد، والذهن صاف بعد النوم ودروج الوعي مرتبة والذكريات في أماكنها الصحيحة، مما يجعل تدفق ماهو ”مهم“ وليس ”آني“ أكثر سهولة.

بعد مدة من ملاحظة النتائج اكتشفت أن ماتريد الكاتبة أن تصل إليه هو الداخل، عن الطريق المرور عن الخارج.  أي أن تركيزها موجه على فهم الذات وفهم مخاوفها ثم التحرر منها.
أعيد قراءة الكتاب مرة أخرى أو أعيد التجربة بطريقة أكثر انضباطًا على الأقل. وأنصح أي شخص لديه التحكم الكافي بالذات والوقت اللازم والرغبة في القيام برحلة مع الذات للوصول إلى السكينة والسلام أو الإبداع أن يعطي الكتاب فرصة حقيقية.

Uncategorized

الحرب : هل تغيرنا فعلًا؟

“بس نحنا تعلمنا كتير من الحرب وكبرنا كتير”

حاولت بكل قدراتي اللغوية أن أشرح فكرتي، كانت كل خلايا دماغي ووصلاته العصبية ومراكزه تعمل جاهدة لمساعدتي على تركيب جمل مفيدة أشرح فيها عن “ماعلمتني إياه القنابل” وعن “النضج تحت الخوف” وعن “الهدف الأسمى من الذات” باللغة الألمانية.
شيء ما انكمش في داخلي على نفسه، لعله التعالي على الشفقة عندما سمعت عبارات التعاطف
والحزن لكوني عشت تحت الحرب خمسة سنوات هي ربيع شبابي، مما دفع عقلي لإعلان حالة الطوارئ، حاولت أن أوضح أنه رغم الظروف اللاإنسانية والمعاناة إلا أننا لم نتوقف عن النضج، بل كنا نقترب منه أكثر، عشرون دقيقة من الكلام لم تكن سهلة أبدًا، كنت متشجنة، شعرت كأن أحدهم يمسكني من عمودي الفقري طيلة الحديث، ثم سرقه أخيرًا، واسترخت عضلاتي المشدودة.

في طريقي للمنزل وبعد أن زالت يد الشفقة الخطرة عن كتفي، بدأت أفكر بعقلانية تحت أضواء المدينة الباهتة، بهدوء، دون ضغط الكرامة وغيرها، ما الذي تعلمناه حقًا من الحرب؟ من الثورة؟ من كل شيء؟

لا أعرف إن كان الوقت مازال مبكرًا على أخذ الدروس من الماضي الذي لم يمض بعد، لكن سيأتي هذا الوقت في النهاية، عمومًا أنا أصنف نفسي كإنسانة ميالة للتفاؤل طالما استطعت إليه سبيلًا، وأميل لكل الدراسات والنظريات التي تبشر بالمرج بعد الثلج، والحب بعد الحرب وخلافها، ولكن إذا أردت أن أكون واقعية مع نفسي أولًا ومع المعطيات ثانيًا، فهل كنت صادقة عندما قلت أن الحرب جعلتنا أكبر من أنفسنا، بمعنى
النضج لا الهرم؟ وهل كنت أقول ما يحلو لي من أن شيئًا مهمًا في تركيبتنا تغير أم أن هذه هذه الحقيقة؟ أحاول أن أفكر ..

على سبيل المثال تعلمت في الحرب أن لا أخاف، أو على الأقل أن أتغلب على خوفي، وأن أواجه المصائب والمصاعب بقلب لا يعرف الألم، ليالٍ كثيرة قضيتها وأنا أحاور الخوف وأفاوضه، وصلت إلى مرحلة عالية من “التسليم” كانت ذروتها أنني أحرقت كل دفاتري وصوري وجلاءاتي المدرسية، كإشارة رمزية أنني لم أعد أخاف على شيء، قد يبدو الأمر عاديًا، لكنه في الحقيقة ليس كذلك لفتاة كانت تحتفظ بقداسة بكل كلمة كتبتها أو كتبت لها منذ عمر 7 سنوات حتى السابعة عشرة.

لكن اليوم؟ بينما أعيش بنوع من السلام، أشعر بحزن عميق عندما أتأمل كم الأشياء التي أخاف منها وعليها، والأشياء التي أحاول أن أحصل عليها وأبقيها قربي وحوالي. حاجز الخوف الذي كسرته في داخلي مازالت أساساته محفورة في الأعماق وترميمه يبدو سهلًا، في حين أنني مثلًا قبل سنتين كنت مستعدة للتخلي عن كل شيء، حتى عن الحياة نفسها، أجدني اليوم متمسكة بأصغر المكتسبات التي أحاول تكديسها، هل هي الحاجة الطبيعية إلى الأمان بعد الخوف؟ أي هل هي فترة وتمر؟ أم أنه ستنمو لي مع الوقت قرون استشعار وتصبح عيني غائرتين وجبانتين كنملة؟

بعد المعركة اللعينة في مدينتي، كان أخي الصغير يروي لي الحكايات التي يتذكرها، كان في أحد الأيام مختبئًا تحت ما يسمى “بيت الدرج” وهي المسافة الصغيرة بين الأرضية والدرج، كان خائفًا جدًا ومتجمدًا من البرد، سمع أصوات ميليشيات العسكر وهم يصعدون الدرج، وبينما كان يرتجف من البرد والخوف سالت من عينيه دمعتان، لامسهما بأصابعه فاكتشف حرارة الدموع وأصبح يبكي بدهشة وفرح ويمسح أطراف أصابع قدميه بدموع عينيه.
حينما كان أخوتي يقصون علي قصص ليالي الحرب عرفت ما حدث، يومها قال لي أخي مبتسمًا :“هبة إذا كنتي بردانة وبكيتي، الدموع بتدفيكي”

انتهت المعارك وعادت المياه والكهرباء لمجاريها، والذكريات انزوت في خزائن الذاكرة البعيدة، وأخي لم يصبح بطلًا، مازال يبكي لنفس الأسباب التي يبكي لأجلها جميع أطفال العالم، يشاكس ابنة عمه الصغرى، ويتذمر من أعمال المنزل.

أتساءل اليوم، هل الحوادث الكبرى، قادرة فعلًا على إحداث تغيير جوهري وحقيقي في تركيبتنا البشرية؟ أم أنها تهيئ الظروف فقط وتغير قواعد اللعبة؟ وإن كانت عاجزة عن التغيير على صعيدنا الذاتي، فهل من شأنها وحدها إحداث أثر على الصعيد الاجتماعي مثلًا؟

Uncategorized

متفرقات بين كتابين

في الأيام الماضية انتهيت من قراءة كتابين بتزامن مشترك، أحدهما كتاب
تقرير إلى غريكو لنيكوس كزانتاكيس، والآخر هو هروبي من الحرية لعلي عزت بيجوفيتش. كلا
الكتابين سارا معي على امتداد أكثر من شهرين، وكلاهما وجدت نفسي أعيدهما من
البداية وأحتفظ باقتباسات منهما، بالنسبة لي هذا أحد المؤشرات على جديتي في
العلاقة.

تقرير إلى غريكو هو الكلمات الأخيرة لنيكوس كازانتاكيس مؤلف رواية “زوربا
الشهيرة، والتي كتبها قبل وفاته كتقرير لجده غريكو عن حياته وكفاحه، وكسيرة فكرية
ذاتية له، أما هروبي إلى الحرية فهو شذرات وأفكار مرتبة رقميًا كتبها علي عزت
بيجوفيتش مؤلف الكتاب الشهير “الإسلام بين الشرق والغرب” في سجنه الطويل
الذي امتد أكثر من ألفي ليلة، والتي وضع فيها رؤاه وأفكاره التي تحتمل الصحة
والخطأ ولكنها تعبر عن ثقافة عالية وبراعة وذكاء بالغ، والمختوم برسائل أولاده
البسيطة والمؤثرة. كلا الكتابين كانا يحملان شحنة وجدانية روحية عالية .. تخيل
نفسك تلس قبالة أرواح عظيمة وتستمع إليها في لحظاتها الأخيرة أو في المعتقل، هذا ما تمنحه
لنا الكتب وما يدفعنا لأن نقبّل الورق وننحني للحبر.يلخص نيكوس كتاباته قائلًا : إن روحي هي صرخة وما أعمالي كلها إلا تعقيب على هذه الصرخة.

image

تعجبني السير الذاتية والروايات، فالكاتب حينما يشرّح ذاته ويعرضها فكأنما
يشرح معها جميع الذوات، وحينما يسلط الضوء على ملائكته وشياطينه ينعكس الضوء على القارئ، فيصبح أكثر وعيًا بذاته، يحكي نيكوس عن نفسه شيئًا أستشعره في ذاتي ويؤلمني، شعرت
براحة حين رأيت تناقضي الداخلي متمددًا على الورق بريشة كاتب آخر، يقول الكاتب :
“ كان أحد أصدقائي يلتهب فورًا حينما يفتح شفتيه للنطق بأي فكرة أو للتحدث عن
حماقة مجنونة تستهويه، ولقد كان من الممتع جدًا سماع القوة المحكمة التي كان يعدد
بها أفكاره دون تلعثم، وحين أستمع إليه كنت أحس بالحسد لأنني كلما فتحت فمي للكلام
ندمت فورًا، الكلمات تأتيني بصعوبة، وإذا حدث وأن قدمت حجة لدعم رأي لي فإن الحجة
المناقضة، والصحيحة بالمقدار ذاته، كانت هي التي تقفز إلى ذهني”

كذلك يقول: “ لم أكن يومًا حاقدًا على البشر، بل الحقيقة أني كنت
أحب الناس (عن بعد)، لكن ما أن تطول المحادثة أو الصلة حتى أنسحب إلى نفسي وأتمنى
أن أُترك وحيدًا، ويحس الناس أن لا حاجة لي بهم، وأنني أستطيع العيش من دون التحدث
إليهم، وهذا مارأوا  أنه من المستحيل
التسامح به معي. هناك قلة من الناس أستطيع العيش معهم مهما طال دون أن أحسّ
بالانزعاج.”

يبدأ نيكوس بالحديث في مسيرته الفكرية عن طفولته وأهله ومدينته،
وأعتقد أن هذا لا مفر منه لمن يريد أن يفهم أفكاره ويعرف سبب كونه ماهو عليه، فلكي
تعرف أي إنسان معرفة كاملة لا بد أن تعرف أمه وأباه والماء الذي شربه والمكان الذي
ولد فيه، كل ذلك له انعكاساته الأصيلة التي لا يمكن تجاهلها على الصيرورة الشخصية
لأي إنسان، ثم يعرج نيكوس على ما انطبع في داخله من الطفولة : الروائح والمشاعر
واللمسات واللدغات الشعورية وغيرها، وانعكاس ذلك على الطرق التي سلكها والتجارب التي
خاضها والبلدان الكثيرة التي زارها، جالبًا إلى المعمعة صراعاته مع الله والمسيح
والشيطان ولينين وبوذا ونيتشه وزوربا وكل الطغاة والرحماء والقديسين والجوعى
ويملأها بالرقص والنور والحزن والفرح، بكلمات معتقة ومعجونة بالتجربة والدم والعرق
وكأن “كل كلمة صدفة صلبة تحتوي على قنبلة انفجارية عظيمة، ولكي تكتشف معناها
يجب أن تدعها تنفجر في داخلك كقنبلة، لكي تحرر الروح التي تحتجزها!”

¶ يستغرق نيكوس في ذكرياته وهو يسردها، ثم يقول
قبل أن يختم نصه الرهيب:
“حين أستغرق في هذه المذكرات القديمة الآن في شيخوختي وأرى حملاتنا
الدونكيشوتية في ذلك الحين – الرمح المطعوج والترس المنخور والخوذة التنكية والعقل
المليء بالنبل والريح، أعجز عن أن أبتسم. ما أسعد الشاب الذي يؤمن أن واجبه هو
إعادة صنع العالم وجعله أكثر انسجامًا مع الفضيلة والعدالة وأكثر انسجامًا مع
قلبه، وما أبأس من يبتدأ حياته دون جنون.”

أما علي عزت بيجوفيتش فيرى أن “الجنون في الشباب هو شرط
الحكمة في الكبر”

image

لفتني هذا الربط بين الجنون والشباب عند كلا الكاتبين وخطر ببالي أنه
لا يمكننا احترام الحكمة في الكبر دون تقدير الجنون في الشباب، كما أنه لا يمكننا
أن نصافح النجاح ونحن ندوس دومًا على قدم الفشل، هذه الثنائيات هي تواءم وليست
أضداد، قد يتأخر أحدها عن الآخر لكن لابد أن يتبعه، وكذلك الأمر بالنسبة للخير
والشر، يحكي نيكوس في القسم الذي أذهلني والذي كان بعنوان “نيتشه : الشهيد
العظيم”
تجربته في القراءة لنيتشه، ورحلته في فكره، ويطلق علي نيتشه
تسمية : المسيح الدجال، ليخلص إلى النتيجة التي تقول أن المسيح والمسيح الدجال
ليسا عدوّين أبديين، ويتساءل هل سيتمكن الشر من الدخول في خدمة الخير ويتعاون معه؟
ثم يقول :

¶ “كانت الخطوة الأولى في
الاستهلال، كما قلت لنفسي، هي : الخير والشر عدوان، الدرجة الثانية والأعلى هي : الخير
والشر زميلا عمل، الخطوة الأعلى، وأعلى خطوة أستطيع الوصول إليها الآن هي : الخير
والشر متطابقان (هما الشيء ذاته)

إن الكراهية بعبورها بنجاح عبر الإدراك والشفقة والتعاطف، يمكن أن
تتحول إلى حب، وخطر لي أن الأمر يبدو وكأنهما فيما مضى كانا متحدين ثم تفرقا، وهما
يكافحان الآن للالتقاء من جديد، لكن وقت المصالحة التامة لم يحن بعد، وإن كان في
وسعي أن أحكم من تجربتي فلا بد أن وقتًا كهذا سيحين، أي أنه سيأتي اليوم الذي
يعترف فيه بالخصم وبمساهمته الحرة في المركب العظيم الذي يسمى "الكون
المتناسق” _ كوسموس، وبتعبير آخر “التوافق
والانسجام”_“هارموني.”

لا أعرف مدى صوابية وجهة النظر هذه للعالم أو مقدار مطابقتها
للواقع ولكني شعرت بالنور يلامس أطراف أصابعي بينما كنت أقرأها، وعلقتها كتميمة في داخلي، وأعتقد أن هذه القناعة تشبه إلى حد ما التيار الذي أخذه علي عزت
بيجوفيتش في مسيرته والذي يسميه : التيار الثالث.

¶ يتحدث نيكوس كثيرًا عن التوازن والانجسام بين
عقله وجسده وروحه، ويرى أن الرحلة لتكون جميلة لا بد لها من  هؤلاء الرحالة الثلاثة مجتمعين، يقول مثلًا :
“ كان الألم ممضًا، كنت أحب جسدي ولم أكن أريد له أن يفنى، وكنت أحب روحي،
ولا أريد لها أن تتعفن، ورحت أجاهد لكي أصالح معًا هاتين القوتين المتنازعتين
والخالقتين للعالم، وأجعلهما تدركان أنهما ليستا عدوين، بل هما زميلتا علم لكي
تستمعا بانسجمامهما، وأستمتع أنا أيضًا معهما.”

أما علي عزت بيجوفيتش فيقول : “يحتار عقلي ويسأل دائمًا، لكن
قلبي كان يبقى دائمًا إلى جانب الإيمان، لحظات سعادتي كانت تلك التي توافق فيها
عقلي وقلبي”

ثمة تقاطعات أخرى كثيرة ومفارقات لم أذكرها بين الكاتبين، لكن بالنسبة لي كانت الحياة العميقة التي عاشها كلًا منهما، ليس على صعيد التجارب فقط، بل على صعيد الفكر والأصالة، هي المثال الأعلى الذي سيبقى أمام ناظري بعد أن أنسى محتويات الكتاب
قرأت كتاب هروبي إلى الحرية بترجمة اسماعيل ابو البندورة، والترجمة
جيدة، أما كتاب تقرير إلى غريكو فبترجمة الكاتب السوري ممدوح عدوان والترجمة
شديدة الجمال، لا أعتقد أن النص بنسخته الأصلية كان ليكون أجمل منه في هذه النسخة
المترجمة.